السيد محمدحسين الطباطبائي
55
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » فإنه ظاهر في أن للقرآن موقعا هو في الكتاب المكنون لا يمسّه هناك أحد إلّا المطهرون من عباد اللّه وأن التنزيل بعده ، وأما قبل التنزيل فله موقع في كتاب مكنون عن الأغيار وهو الذي عبّر عنه في آيات الزخرف ، بأم الكتاب ، وفي سورة البروج ، باللّوح المحفوظ ، حيث قال تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ « 2 » ، وهذا اللوح إنما كان محفوظا لحفظه من ورود التغيّر عليه ، ومن المعلوم أن القرآن المنزّل تدريجا لا يخلو عن ناسخ ومنسوخ وعن التدريج الذي هو نحو من التبدّل ، فالكتاب المبين الذي هو أصل القرآن وحكمه الخالي عن التفصيل أمر وراء هذا المنزّل ، وإنما هذا بمنزلة اللباس لذاك . ثم إن هذا المعنى أعني : كون القرآن في مرتبة التنزيل بالنسبة إلى الكتاب المبين - ونحن نسمّيه بحقيقة الكتاب - بمنزلة اللباس من المتلبّس وبمنزلة المثال من الحقيقة وبمنزلة المثل من الغرض المقصود بالكلام هو المصحّح لأن يطلق القرآن أحيانا على أصل الكتاب كما في قوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ، إلى غير ذلك وهذا الذي ذكرنا هو الموجب لأن يحمل قوله : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، وقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ، وقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ على إنزال حقيقة الكتاب والكتاب المبين إلى قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دفعة كما أنزل القرآن المفصّل على قلبه تدريجا في مدة الدعوة النبوية . وهذا هو الذي يلوح من نحو قوله تعالى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ « 3 » ، وقوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ « 4 » ، فإن الآيات ظاهرة في أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان له علم بما سينزل عليه فنهي عن
--> ( 1 ) الواقعة - 75 إلى 80 . ( 2 ) البروج - 21 و 22 . ( 3 ) طه - 114 . ( 4 ) القيامة - 16 إلى 19 .